مابعد احتجاجات كريتر ليس كماقبله

الجنوب الآن-خاص

يذهب عالم الاجتماع الشهير ابن خلدون أن للبيئة تأثير كبير على صفات وعادات وأخلاق الساكنين.. ولها تأثير مباشر في تشكيل أمزجتهم ونشاطهم.. وربما هذا السبب الذي جعل من كريتر دائما ثائرة في وجه الظلمة والمستبدين وتصدر حممها البركانية إلى بقية المديريات بل إلى بقية المحافظات وتفرض واقعا جديدا  في المشهد السياسي وهذا الذي جعل المجلس الانتقالي يقابل الاحتجاجات السلمية الأخيرة بعنف مفرط خوفا من هيجان بركان كريتر.

القراءة المتأنية في سيكولوجية الانتقالي وثلته الحاكمة من خلال الأحداث الأخيرة سيعلم أن الانتقالي سيسقط قريبا وأنه مشروعه قد انتهى، وأن ما بعد احتجاجات كريتر  ليس كما قبله.

أسباب السقوط:
إذا كان ابن خلدون يجعل الترف السبب الأبرز في سقوط الجماعات والدول، عن طريق النخبة الحاكمة التي ترفل في النعيم ناسية أو متناسية آلام شعوبها، فتستقوي عليهم بالقوة المسلحة كلما دعت الضرورة لإسكاتهم، فإنه يؤكد أن الاستبداد و"الانفراد بالمجد" هو السبب الثاني الذي يؤدي للسقوط؛ فبينما نخبة الانتقالي المترفة تتقاسم الثروات والامتيازات والأراضي والعقارات يخرج الشعب الجنوبي - المفوض له! -  يطالب بأدنى متطلبات العيش الكريم من رواتب ورغيف خبز وكهرباء وماء فيجابه الهتاف الحقوقي بقمع عنيف  وإعلان للطوارئ.

كان الإعلان لحالة الطوارئ هي خطة  البداية للتخلص من رفقاء الأمس إمام وحزامه الأمني ؛ فذلك المستبد سرعان ما يبدأ في "جدع أنوف عشيرته وذوي قُرباه المقاسِمين له في اسم الملك، فيستبد في جدع أنوفهم أكثر مِن سواهم لمكانهم من الملك والعز والغلب"، فإذا تخلص الحاكم من أعوانه المقربين لم يشعر بالأمن -على حد ابن خلدون- بل على العكس، سرعان ما ينتابه القلق والخوف على مستقبل حكمه، واستمرار عرشه، ولا يجد أمام هذه المعضلة إلا قطع رؤوس مخالفيه، والحط من مكانتهم، والاستهزاء بهم، وإقصائهم بكل وسيلة ليبقى وحده دون منازع فتارة يتهم مناوئيه بالاخونج أو الارهابيين أو بعرب 48 لكن استطاعت احتجاجات كريتر أن تعري الانتقالي وكل التهم التي يتمترس حولها ليقنع بها من تبقى من أتباعه السذج ، فمن اشترك في هذه الاحتجاجات ينتمون إلى مناطق العمق التاريخي لعدن ولا ينتمون لأي حزب أو كيان بل أن كثيرا منهم كان من أنصار القضية الجنوبية التي حرف المجلس اتجاهها .
لم يعد العدني يقبل بالمسكنات التي اعتاد بلهاء الانتقالي تكرارها في كل منعطف كعقار الجنوب قادم  والتذكير بنعيم الجنوب السابق كنوع من الاحتماء بالماضي والعجز عن صناعة اللحظة الحاضرة حتى صار نوعا من التقليد عند الانتقاليين الاعتزاز بالماضي المجيد الذي يقول فيه د حجازي صاحب سيكولوجية الإنسان المقهور :  "الفشل على كل صعيدٍ حياتيٍّ بشكل يمس الاعتبار الذاتيّ يدفع بصاحبه أحياناً إذا أوصدت أمامه أبواب المستقبل إلى الاحتماء بماضيه وخصوصاً بتلك الفترة الأكثر إشراقاً فيه وكلهم يجد في تلك العودة تعزيةً وملاذاً".

حطمت الجموع الهادرة المظلومة من أبناء وشباب عدن حاجز الخوف وتخرج وتصرخ عالياً ضد سطوة الانتقالي ؛  فلم يعد الشارع حكرا له فقد كان بالسابق وقبل سيطرته الكاملة على عدن نجح في قمع وتهديد أي كيان أو توجه يسير اي مظاهرة ..والان في عز سيطرته وإدارته لكامل مفاصل المحافظة يتلقى صفعة قوية ويخرج الشارع العدني يطالبه بالرحيل.

الشباب العدني خرج يبحث عن الاستقلال الذاتي ويتخلص من التبعية للمجلس والأحزاب وبدأ واعيا بالخطابات الرنانة و يرفض الاستغلال لحقوقهم ومطالبهم باسم الجنوب 
 وازدادت درجة وعييه الحقوقي والسياسي وأسقطوا أكذوبة التفويض للمجلس الانتقالي التي يدعيها ..وكنا نظن أن يقف المجلس مع حقوق أبناء الجنوب  ويخرج قواته ليحمي تلك المظاهرات لا ليقمعها بل ويتعدى الامر  بتجهيز حملة أمنية يحشد لها الألوية والتشكيلات العسكرية المختلفة لاقتحام المدينة المسالمة التي ارتفع صوتها مطالبا بحقوقها. 
ومن إيجابيات هذه الاحتجاجات أن عدن لازالت  بمختلف مشاربها ترفض العنصرية ولا زالت متمسكة بطبيعتها التي أحبها الناس لذلك تقبل كل الناس وترفض الحيف وتلفظ الجيف الذين لازالوا ينشرون روائح العنصرية والمناطقية العفنة بين أوساط الناس.

ستبقى عدن ثائرة ولن تخمد براكينها طالما وأن الظلم جاثم عليها .. وستبقى عدن طاردة لكل المشاريع التي لا تليق بها وبمكانتها .. 
وستبقى عدن الثغر الباسم الذي تتحطم على أسوار ثغرها مشاريع الفوضى والدمار ..