معجزة حماس في طوفان الأقصى..
عمر محمد حسن
من أمام حطام دبابة ميركافا 4؛ في قارعة الطريق بحي تل الهوى -بمدينة غزة- يلهو الصبيان والقه...
من أمام حطام دبابة ميركافا 4؛ في قارعة الطريق بحي تل الهوى -بمدينة غزة- يلهو الصبيان والقهقهات تملأ اشداق المدينة المبعثرة؛ سكتت المدافع بعد أكثر من عامين لكن آثار الهولوكوست مازال سيد المكان؛ وبقي معه حطام الجيش الذي لا يقهر شاهد عيان على انكساره، لتعيد لنا ذكريات البدايات الأولى لصناعة العبوات الناسفة إلى مهندس الموت بحركة المقاومة الإسلامية حماس، يحيى عياش.
بعد إن تخرج يحيى عياش من الثانوية العامة بمعدل 92.8% في العام 1984م؛ ذهب الشاب القادم من ’’ضيعة‘‘ رافات؛ بالضفة الغربية إلى ’’جامعة بيرزيت‘‘ في نفس العام ودرس الهندسة الكهربائية لكن الترحيب بالطلاب الجدد في حفل بداية العام الدراسي والذي أقامته الجماعة الإسلامية حينها؛ ليجد الشاب الباسم القسمات؛ نفسه أحد كوادر جماعة ’’الإخوان المسلمين‘‘؛ ومنه تشكلت شخصيته القيادية والجهادية.
كان الشاب يحيى عبداللطيف ساطي عياش وهو من مواليد 6 مارس/آذار 1966م؛ ماهرًا في تخصصه في الجامعة؛ إلى أن تخرج من الكلية في 1993م؛ هذا النجاح كان ممهورًا بالحسرة جراء ما يعانيه الشعب الفلسطيني من هول الويلات؛ وتخللت فترة دراسته جرائم صهيونية جمة كان أخرها، عملية دهس بحق عمال فلسطينيين في 1987م والتي قادت إلى الانتفاضة الفلسطينية الأولى؛ والتي زامنت إعلان الشيخ أحمد ياسين عن تأسيس حركة المقاومة الإسلامية حماس في نفس العام.
خلال فترة الانتفاضة لم يغب عياش عنها؛ وبدأ توظيف علمه في الجانب العسكري وبدأ يصنع العبوات الناسفة والتي كانت على هيئة زجاجات حارقة؛ ابتسم يحيى للحياة مع زواجه وقدوم ابنه البراء في مستهل التسعينات؛ وفي العام نفسه أعلنت حركة حماس عن مخلبها العسكري والذي حمل اسم المجاهد العربي السوري الشيخ عزالدين القسام؛ وأنظم إليه المهندس يحيى عياش في العام التالي 1992م.
من أسرة متواضعة لأب يعمل في الزراعة؛ تعلم الابن كيف يزرع الفلسطيني عبوات الموت خرادل في أرض يعض عليها الحرب بنواجذ اللهب؛ وذلك للإيقاع بالمستوطنين المستوردين من أصقاع الدنيا؛ ومع انضمامه رسميًا للجناح العسكري بدأ ظهور المفخخات وذلك من خلال أو عملية استشهادية من اخراجه وهي (عملية العفولة) في 6 أبريل 1994م؛ والتي أودت بحياة 8 وإصابة 30 مستوطن؛ و(عملية الخضرة) والتي أعقبت العملية السابقة بأسبوع واحد فقط في 13 من الشهر نفسه والتي أودت بحياة 7 وجرح العشرات؛ كما نفذ(عملية سلاح الطيران) في 15 ديسمبر من العام 1994م والتي أودت بحياة 13 ضابط وجرح العشرات من خلال ثلاثة استشهاديين من كتائب الشهيد القسام.
لم يكتف المهندس بالعمليات السابقة بل فتحت شهيته أكثر؛ ونفذ في 19 من الشهر نفسه (عملية تل أبيب) والتي أودت بحياة 22 وإصابة أكثر من 40 مستوطن من خلال استشهادي قسامي؛ يجلس الموساد والشاباك وجهًا لوجه في وضعٍ طارئ للبحث عن هوية الفاعل المستتر في جملة الرعب؛ لتبدأ معها حملات المطاردة للإيقاع به، ليعطي الرجل للريح ساقيه ويهاجر إلى جنوب الوطن الغالي’’غزة‘‘ في 1995م؛ ويبدأ معها تطوير سلاح حماس: العبوات الناسفة والمتفجرات والقذائف الصاروخية.
ترك عياش في الضفة التي احتلتها إسرائيل بعد عام من ولادته؛ ذكريات الطفولة وأرجوحة اللهو وابتسامة الصباح؛ لكن ثمة أمر أخر مقدس ذهب من أجله وحاجة الوطن إليه؛ والذي فضله ذات يوم عن الدراسة في الأردن والعمل في الخليج؛ لكن إسرائيل التي بحثت عليه في القش قتلته في 5 يناير من العام 1996م في غزة؛ وأعلنت حينها التخلص من أخطر من تصفهم بالإرهابيين لكن حماس لم تكل في استهداف إسرائيل بطريقة عياش ذاتها طيلة ثلاثة قرون متواصلة.
خرجت إسرائيل من غزة في العام 2005م وخاضت حماس (قرابة تسع حروب) وصولًا إلى معركة طوفان الأقصى التي دارت بين 2023-2025م غاب عنها يحيى عياش منذ ثلاثين عامًا لكن ملك الموت في حماس مازالت روحه تسرق أرواح الصهاينة حين غُرة؛ حيث تعود البدايات الأولى لصناعة المهندس عياش للعبوات الناسفة والمفخخات والتي أوقعت الكثير من الخسائر في أوساط القوات الإسرائيلية وبدت دبابات الميركافا عامة وجيلها الرابع خاصة كما لو كانت أعواد الثّقاب تُحرق جراء استهدافها بالعبوات التي يعج بها قواميس الفناء والقذائف الصاروخية التي تعددت الأسماء معها والموت واحد.
توكئت فلسطين على عكاكيز حماس وسارت إلى الأمام في 7 أكتوبر؛ كأول معركة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي يبدأ فيها العربي نفسه بالحرب؛ وسجل العامين الماضيين من عمر المعركة جسارة أصحاب الأرض لأول مرة بالرغم من سطوة إسرائيل واتحاد المنتصرين والمهزومين في الحرب العالمية الثانية وارتصوا جميعهم إلى جانب إسرائيل: الكنيس والكنيسة؛ البابا والحاخام؛ نجمة داؤود والصليب؛ الإنجيل والتوراة؛ في محاولة منهم لواد إرادة الفلسطيني وتفتيت إرادته.
لن يخبرك رختر بمقياس ما احدثته تفجير الميركافا ياسيدي؛ فعيون المحدقين سهامهم تترصد في أزقة غزة مرور الدبابات الإسرائيلية بين الفينة والأخرى؛ ثمة من يلبث غير بعيد عله يصطاد واحدة منها؛ ينتعل التراب بلا حوافير يهمس خفية ليكبّر مع استهدافها بقذيفة الياسين "105"؛ لا يوجد تفسير لهكذا عملية غير أن حماس تملك أشباحًا وخوارق كتسمية الموساد ليحيى عياش حينها والقسام يومنا.
السبت يتخذه اليهود عيدًا قبل أن يتحول إلى مأتم في 7 أكتوبر؛ وذلك عندما قرر قائد معركة طوفان الأقصى وزعيم حماس السابق ’’يحيى السنوار‘‘ كبح جماح الجيش الذي لا يقهر؛ تخبطت إسرائيل كعاقر الخمر وبدأت بحرب شعواء على غزة وأطرت الحرب في الإفراج عن الأسرى والقضاء على حماس ونزع سلاحها لكنها كانت أماني إبليس في الجنة؛ وما إن بدأ رابع أقوى جيوش العالم بالتوغل شرقي غزة بدأت معاها المقاومة الفلسطينية بضربه في الخاصرة مستهدفة بذلك سلاحه المصفح الأحدث في العالم حيثما لا جبل يعصم الاحتلال من الماء عندما يأتي الطوفان.
تحت غطاء جوي وإسناد بحري؛ توغل الجيش الإسرائيلي؛ بدت ألوية جولاني والذي تأسس مع قيام دولة إسرائيل في 1949م؛ وألوية أخرى تعد من قوات النخبة كلواء المظليين؛ ولواء ناحال؛ ولواء جيفعاتي؛ ولواء كفير؛ بالاجتياح البري؛ سخّرت أمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا كل تقنياتها ابتداء بمواقع التواصل الاجتماعي وليس انتهاء بميكروسوفت ومخازن أسلحتها لإسرائيل كالقنابل والصواريخ وقطع الغيار والطائرات والإستخبارات وكل أدوات الفناء؛ دخلت القوات البرية لاحتلال جباليا وبيت حانون والشجاعية ورفح وخان يونس ومدينة غزة لكنها عادت بخفي حنين؛ حتى أنها لم تقوَ على البقاء في أرضية منزلقة.
استخدمت حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى جميع مالديها من أسلحة لمجابهة التوغل؛ لكن سلاح الأنفاق كان حجر الزاوية؛ كان عصا الحق يتلقف الميركافا وما يأفكون؛ اصطادت بواريد حماس التي صنعت بمعامل بدائية غالبًا ما أعطبت حلم نتنياهو بالسيطرة على غزة؛ تلك المدينة التي بقت واقفة ومات ’’إسحاق رابين‘‘ الذي تمنى أن يستيقظ في الصباح وقد ابتلعها البحر‘‘.
تتنوع العبوات الناسفة بين البرميلية وشواظ؛ وشديدة الانفجار والرعدية والتلفزيونية وعبوات خارقة للدروع؛ ظهرت جميعها بعد عام الألفين لكنها تعود للصناعات الأولى لإبان حقبة مؤسس التصنيع الحربي لحماس المهندس يحيى عياش؛ فيما برزت تلك العبوات التي تقتل الإسرائيليين أفرادًا وجماعات؛ حيث استطاعت حماس من تدمير الأليات الإسرائيلية (دبابات الميركافا وناقلات الجند النمر) من خلال عبوات شواظ التي لا تتجاوز ’’3.5‘‘ كيلو جرام والقادرة على اختراق (200) ملليمتر من الفولاذ كما هو الحال للمتفجرات الأخرى.
فيما شكل هذا النوع من العبوات التي ظهرت في الانتفاضة الفلسطينية الثانية 2000م؛ ومرت بسبع مراحل تطوير أفضت النسخة السابعة منها؛ بخفة الوزن وقدرة تدميرية عالية؛ وتعدد عملها بين الزراعة في الأرض والتفجير عن طريقة القنابل اليدوية؛ حيث كانت لعملية 24 يونيو/حزيران 2025م فارقًا في عظمة المقاومة الفلسطينية إزاء ما حصدته تلك العملية التي ألقى خلالهما مقاتلان من القسام عبوتي ’’شواظ‘‘ الأولى داخل قمرة القيادة لمدرعة والأخر لاصقة في جدار ألية أخرى لتحصد العملية 7 قتلى من جنود الاحتلال وإصابة 17 أخرين بحسب اعترافات إسرائيل ذاتها.
وأخذت العبوات الناسفة باختلاف مسمياتها وقدرتها التدميرية أوزان عدة منذ ثلاثين عامًا؛ منذ البداية الأولى للتصنيع الحربي الذي سنه دماغ حماس العسكري؛ يحيى عياش؛ مرورًا بالانتفاضة الفلسطينية الثانية حتى معركة طوفان الأقصى؛ وأخذت العبوات التي كانت تزن 50 كيلو تنقص إلى أن وصلت إلى ما دون 3 كيلو وقدرة تدميرية كبيرة؛ فيما تأخذ العبوات الناسفة طرق تفجير مختلفة؛ عن بعد أو عن طريق التوصيل الكهربائي.
قتل الأستاذ المؤسس أحمد ياسين لكنه سرعان ما تحول إلى سم زعاف يفتك بأليات الميركافا والنمر وجرافات d9؛ من خلال قذيفة الياسين 105؛ وكثير من أسماء قادة حماس الذين قتلوا لكنهم تحولوا إلى سكاكين للموت؛ والتي يعج به القاموس العسكري كصواريخ الرنتيسي (R160) والمقادمة (M90) والجعبري (J80) وعياش (250) والغول (قناصة)؛ فيما لكل رصاصة وصاروخ حكاية تكفر بالنسيان؛ وأن لمقولة: "بإمكان اليهود اقتلاع جسدي من فلسطين، غير أنني أريد أن أزرع في الشعب شيئا لا يستطيعون اقتلاعه". أن يبتسم في القبر؛ وتحولت أرواح قيادات حماس إلى بواريد تقتل الأعداء في النهار وأقمار ترقص ليلًا في السماء.
سلاح العبوات الناسفة أتت أكلها في المعركة؛ وسبق للاحتلال الإسرائيلي إن أعترف في أواخر المعركة أنه فقد الكثير من الأليات والتي يزيد قيمتها عن 8 مليون دولار أمريكي للمركبة الواحدة؛ وهي فخر الصناعة الإسرائيلية الأكثر فتكًا في العالم؛ ليعمل معها على استدعاء الجيل الثاني والثالث من الدبابات لتغلب على النقص الذي أصابه بفعل ضربات حماس والتي يعود بداية تصنيعها لخمسين عامًا؛ كما أن حرب غزة أوقفت خطوات الخيلاء للجيش الذي لا يقهر والذي كان يتحدث عن سطوة ألياته التي بدأ في تصديرها إلى أوكرانيا.
أظهرت الإحصائيات أن أغلب قتلى الاحتلال الأمريكي في العراق إبان الغزو الأنجلو امريكي (2003م)؛ كانت جراء استهدافه بالعبوات الناسفة للمقاومة العراقية؛ بحسب تقارير عسكرية؛ فيما يخفي الاحتلال الإسرائيلي أعداد قتلاه جراء عبوات الموت المعبدة في طرقات غزة؛ ومارس الرقيب العسكري دورًا هامًا في إخفاء الحقيقة لكن أعداد الأليات المعطوبة في كل منعطف في غزة سيد الأدلة كما أن ما تخفيه ثلاجات الموتى والمقابر وسجلات مستشفيات ’’سوروكا‘‘ في بئر السبع ومشافي تل أبيب أهوال وفواجع.
بعد أن وضعت الحرب أوزارها؛ كتبت حماس الفصل الأخير لقصص الإباء؛ لكن الألآم بقيت شاهد عيان على وحشية إٍسرائيل من خلال أعداد من قتلتهم من المدنيين الذين بلغوا 70 ألف قتيل ومليون جريح تقريبًا؛ لكنها -أي- إٍسرائيل بالرغم من التستر على قتلاها في غزة فما اعترفت فيه لم يكن بالرقم الهين؛ كما يذهب إليها مراقبون إلا أن الأرقام التي سقطت سهوًا عن أعين الرقيب العسكري الإسرائيلي تكبح جماع الغطرسة والزيف.
ما إن سكتت أصوات المدافع؛ اعترفت إسرائيل بـ’’1150‘‘ قتيل؛ فيما أوردت مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلية وهي -جهة رسمية- فإن معهد التأمين يعالج منذ 7 أكتوبر 2023م؛ أكثر من 80 ألف ضحية بينهم 24 ألف بترت أطرافهم؛ وأن 30 ألف اصيبوا باضطرابات نفسية؛ ولكن هذا ما سقط سهوًا من الرقابة العسكرية التي لا تنشر سوى اليسير من هزائم الكيان؛ وذلك للحفاظ على معنوية جنوده؛ ومن هنا نستطيع القول بأن معدل عشرة ألوية إسرائيلية خرجت عن الخدمة العسكرية.
لم تحتمل إسرائيل يحيى عياش حيًا بل ويطاردها روحه دائمًا في الغياب؛ ومع ذكرى استشهاده الثلاثين؛ والتي تزامن 5 يناير/ كانون الثاني من الشهر الجاري؛ اعتقلت إسرائيل أرملته هيام العياش -أم البراء- وذلك بعد نعيها زوجها الشهيد.